فخر الدين الرازي
5
تفسير الرازي
سبحانه خص البيع بالذكر لأنه في الإلهاء أدخل ، لأن الربح الحاصل في البيع يقين ناجز ، والربح الحاصل في الشراء شك مستقبل الثاني : أن البيع يقتضي تبديل العرض بالنقد ، والشراء بالعكس والرغبة في تحصيل النقد أكثر من العكس الثالث : قال الفراء : التجارة لأهل الجلب ، يقال : أتجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده ، والبيع ما باعه على يديه . السؤال الثاني : لم خص الرجال بالذكر ؟ والجواب : لأن النساء لسن من أهل التجارات أو الجماعات . المسألة التاسعة : اختلفوا في المراد بذكر الله تعالى ، فقال قوم : المراد الثناء على الله تعالى والدعوات ، وقال آخرون : المراد الصلوات ، فإن قيل فما معنى قوله : * ( وإقام الصلاة ) * ؟ قلنا عنه جوابان : أحدهما : قال ابن عباس رضي الله عنهما المراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها والثاني : يجوز أن يكون قوله : * ( وإقام الصلاة ) * ( البقرة : 3 ) تفسيراً لذكر الله فهم يذكرون الله قبل الصلاة وفي الصلاة . المسألة العاشرة : قد ذكرنا في أول تفسير سورة البقرة في قوله : * ( ويقيمون الصلاة ) * أن إقام الصلاة هو القيام بحقها على شروطها ، والوجه في حذف الهاء ما قاله الزجاج ، يقال أقمت الصلاة إقامة وكان الأصل إقواماً ، ولكن قلبت الواو ألفاً فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي أقمت الصلاة إقاماً ، فأدخلت الهاء عوضاً من المحذوف وقامت الإضافة ههنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة ، قال وهذا إجماع من النحويين . المسألة الحادية عشرة : اختلفوا في الصلاة فمنهم من قال هي الفرائض ، ومنهم من أدخل فيه النقل على ما حكيناه في صلاة الضحى عن ابن عباس ، والأول أقرب لأنه إلى التعريف أقرب وكذلك القول في الزكاة أن المراد المفروض لأنه المعروف في الشرع المسمى بذلك ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما المراد من الزكاة طاعة الله تعالى والإخلاص ، وكذا في قوله : * ( وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة ) * ( مريم : 55 ) وقوله : * ( ما زكى منكم من أحد ) * ( النور : 21 ) وقوله : * ( تطهرهم وتزكيهم بها ) * ( التوبة : 103 ) وهذا ضعيف لما تقدم ولأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء ، وهذا لا يحمل إلا على ما يعطى من حقوق المال . المسألة الثانية عشرة : أنه سبحانه بين أن هؤلاء الرجال وإن تعبدوا بذكر الله والطاعات فإنهم مع ذلك موصوفون بالوجل والخوف فقال : * ( يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ) * وذلك الخوف إنما كان لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته . واختلفوا في المراد بتقلب القلوب والأبصار على أقوال : فالقول الأول أن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار لقوله : * ( وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ) * ( الأحزاب : 10 ) الثاني : أنها تتغير أحوالها فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها لا تفقه وتبصر الأبصار بعد أن كانت لا تبصر ، فكأنهم انقلبوا من الشك إلى الظن ، ومن الظن إلى اليقين ، ومن اليقين إلى المعاينة ، لقوله : * ( وبدا لهم من الله ما لم